زعم بعض المتأثرين بالفكر الاستشراقي أن من السُّنن ما ليس له علاقةٌ بالتشريع، وإنما قاله النبي ﷺ أو فعله أو أقرَّه بمقتضى الجِبِلَّة البشرية، أو بحكم الخبرة العادية، فهو مجردُ رأي رآه في أمور دنيوية لا علاقة لها بالتبليغ، فقد يأمر ﷺ بالأمر بوصفه رئيس دولة، فيكون أمره قرارًا سياسيًّا وليس بحكم تشريعي، وقد يصدر عنه أمرٌ بوصفه القائد العسكري، فهذه السُّنَنُ ليس لها صفةُ الدوام والاستمرار.
واستدل هؤلاء بحديث تلقيح النخل، وقوله عليه الصلاة والسلام: «أنتم أعلم بأمر دنياكم» [أخرجه مسلم]، فحذفوا بهذه «الكلمة» النظام السياسي كلَّه من الإسلام؛ لأن أمور السياسة كلها أمرٌ دنيوي، وحذفوا أيضًا النظام الاقتصادي كذلك، ثم عمدوا إلى هدم كل ما حوته الجوامعُ من الأحاديث النبوية المتعلقة بالمعاملات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بسبب توظيفهم السيئ لمعنى هذا الحديث.
قال المحدث أحمد شاكر: «هذا الحديث جعله الملحدون وتلاميذ المستشرقين حجة يعارضون بها أهل السُّنة وخُدَّام الشريعة، وكلما أرادوا أن ينفوا شيئًا من السُّنَّة، أو ينكروا شريعة من شرائع الإسلام في المعاملات وشؤون الاجتماع وغيرها يزعمون أن هذه من أمور الدنيا، ويتمسكون بقوله ﷺ: «أنتم أعلم بأمر دنياكم»، والحديثُ واضحٌ صريحٌ، لا يعارض نصًّا، ولا يدل على عدم الاحتجاج بالسُّنة في كل شأن؛ لأن رسول الله ﷺ لا ينطق عن الهوى، فكل ما جاء عنه فهو شرع وتشريع؛ {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ} [النور: 54]، وفي قصة تلقيح النخل لم يأمر ولم ينه، ولم يخبر عن الله، ولم يَسُنَّ في ذلك سُنَّةً حتى يُتوسَّع في هذا المعنى إلى ما يُهدم به أصل التشريع».
وليس الأمر كما فهمه هؤلاء، وإلا لزم فصل الدين عن كل ما يتعلق بالمصالح الدنيوية للعباد: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، ويصبح الإسلام دينًا بلا دولة.
والمعنى الصحيح للحديث: أن الاسلام لا دخل له في أمور الناس الدنيوية التي تدفع إليها الغرائزُ والحاجات، وتُكتسب بالتجارب والخبرات، وقد فوَّض الله تعالى إلى المسلمين تدبير أمور دنياهم الفردية والجماعية، بشرط ألا تجني دنياهم على دينهم، وإنما يكون تدخُّله من جهة ربط الناس بالقيم العُليا والأخلاق المرضية، ونهيهم عن الجَوْر والظُّلم ومُجاوزة الحدود إفراطًا وتفريطًا، فالإسلام يحثُّ على الزراعة ولا يُعلم الناس كيف يزرعون، ويحثُّهم على التجارة ولا يُعلمهم كيف يربحون الأموال، ويحثُّهم على إعداد العُدَّة للعدو ولا يُعلمهم كيف يصنعون السِّلاح والعتاد، ويحثُّهم على التداوي ولا يُعلمهم كيف يصنعون الدواء، ودائمًا ما يتدخل الإسلام إذا تجاوز الناس حدود الله ووقعوا في الحرام.
انتهى من كتاب (الزند الواري).


