معنى الأُمَّة في حديث: «ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فِرْقة..»؛ هل هي أمّة الإجابة (وهم كلّ من آمن برسالة محمد ﷺ من يوم مبعثه إلى آخر الدنيا)، أو هي أمّة الدعوة (وهم كل مَن لم يؤمن برسالة محمد ﷺ)؟
اختلف العلماء في المراد بالأمّة على رأيين:
الرأي الأول: المراد بالأمّة في الحديث أمّة الإجابة؛ لأنّه إذا وردت كلمة الأمّة مضافًا إلى ذاته ﷺ الشريفة أريد بها أهل القِبلة.
واستنبطوا هذا المعنى من قوله ﷺ: «ما أنا عليه وأصحابي».
الرأي الثاني: المراد بالأمّة في الحديث أمّة الدعوة؛ وهو ما ذهب إليه بعض العلماء في العصر الحديث، ومنهم الدكتور محمد سيد أحمد المسير.
ودَلَّل على ذلك بأدلة، فقال: وقد سَجَّل القرآن أنَّ كل نَبي بُعِث إلى قومه، وخاطبهم بإضافتهم إلى نفسه، فنادى صالحٌ وهودٌ قومَهما بهذا النداء: (يَقومِ)، فقال تعالى: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْم اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف: 65]، وقال جَلَّ شأنه: (وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ) [الأعراف: 73]، فالقوم هنا بالتأكيد هم قوم الدعوة الذين جاءهم النبي وبَلَّغهم دعوة اﷲ، وناشَدَهم اتِّباعَها، فمنهم مَن آمن، ومنهم مَن كفر.
وجاء لفظ الأمّة في القرآن بمعنى أمّة الدعوة، فقال (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ ۖ كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ ۚ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ۚ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ) [المؤمنون: 44]، فهذه الآية صريحة في استخدام أمّة الرسول بمعنى أمّة الدعوة،
ثم قال: ولعلّ مما يَحْسِم الخلاف ويُرَجِّح أنّ المراد بالأمّة أمّة الدعوة: قول رسول اﷲ ﷺ كما في صحيح مسلم: «والَّذي نَفْسُ محمدٍ بيَده، لا يَسمَعُ بي أحدٌ مِنْ هذه الأُمَّة يهوديٌّ ولا نَصرانيٌّ ثمَّ يموتُ ولم يُؤمِنْ بالَّذي أُرْسِلتُ بهِ إلا كان مِنْ أصحاب النَّار».
– الرد على القائلين إنّ المراد بالأمّة أمّة الدعوة:
الذي يترجّح -كما يظهر لي- ما ذهب إليه أكثر أهل العلم مِن أنّ المقصود بالأمّة في الحديث هي أمّة الإجابة؛ للأمور الآتية:
أولًا: أن الاختلاف والافتراق هو سنّة كونية يَسْري على الأمم السابقة وعلى هذه الأمّة، وقد ذكر النبي ﷺ افتراق هذه الأمّة مقابل افتراق اليهود والنصارى، وقد افترقوا؛ فكذلك هذه الأمّة ستفترق كما افترقت الأمم السابقة، قال رسول اﷲ ﷺ: «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كان قبلَكم شِبْرًا شِبْرًا، وذِرَاعًا بذِراعٍ، حتَّى لو دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ»، قلنا: يا رسول اﷲ، اليهود والنَّصارى؟ قال: «فَمَنْ!».
ثانيًا: تاريخ الأمّة شاهد بحصول الافتراق فيها، والواقع يشهد لهذا، وهذا الحديث من دلائل النبوة، وإخبار الرسول ﷺ بما ستؤول إليه أمّته.
ثالثًا: قوله ﷺ: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي» يوحي أن الافتراق سيكون في المستقبل، وفي زمانه كانت الأمّة مُوَحَّدة، أمَّا إذا قلنا: إن الأمّةَ المقصودُ منها أمّة الدعوة، فلا معنى للحديث؛ إذ إنّ أمّة الدعوة كانت متفرقة قطعًا في زمانه ﷺ، وسياق الحديث يُفيد الاختلاف في المستقبل، لا في زمنه ﷺ.
رابعًا: ليس الاعتماد على هذا الحديث فقط في افتراق الأمّة، بل هناك أحاديث كثيرة تشير في مُجْمَلها إلى ذلك، وهو من المعاني المُسَلَّمة في دين الإسلام كما سبق، ومن ذلك حديث عِرْبَاض بن سارِية رضي الله عنه، حيث أشار إلى الاختلاف والوصية بالتمسك بسُنّة المصطفى ﷺ وسُنّة الخلفاء الراشدين.
خامسًا: قوله: «الرسول ﷺ ذكر طائفتين من أمّة الدّعوة، وذكر أنهما مفترقتان، وهما: اليهود والنصارى، وهما مِن أمّة الدعوة قطعًا»، وقد نصّ القرآن الكريم على افتراق اليهود والنصارى، وعلى هذا يكون العدد أكثر من هذا بكثير؛ إذ فرق أمّة الدعوة لا يحصيها إلا ﷲ تعالى.
سادسًا: لو كانت هذه الفرق من أمّة الدعوة فمن البديهي أن يعتزلها المسلم.
سابعًا: أما استشهاد الدكتور محمد المسير رحمه الله بآيات النداء بـ (يَقَومِ)، وكون الأنبياء عليهم السلام أضافوا الأقوام إلى أنفسهم؛ فليس في هذا دليلٌ له؛ لأنّ القوم جماعة الرِّجال في الأصل، وهذا على خلاف الأمّة، إذ الأمّة: «كل جماعة يجمعهم أمرٌ ما، إمّا إلى دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد».
ثامنًا: أما الاستشهاد بالحديث: «لا يَسْمَعُ بي أَحَدٌ مِنْ هذه الأُمَّةِ يهودِيٌّ ولا نصرانيٌّ…»، وأنّه يحسم الخلاف.
قلتُ: هذا أمر غير مُسلَّم له به، والفرق بين الحديثين واضحٌ وجليّ؛ ففي حديث الافتراق ذكر ﷺ لفظ الأمّة وأضافها إلى ذاته الشريفة، وهي إضافة تشريف للأمّة، تقتضي المدح: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتي»، ولو تتَبَّعْنا الأحاديث التي ذكر فيها لفظ الأمّة بصيغة «أُمَّتي» وجدنا المراد منها أمّة الإجابة، وأحاديث الشفاعة كلّها تشير إلى أن النبي ﷺ حين يُضيف الأمّة إلى ذاته الشريفة يقصد بها أمّة الإجابة، ومن ذلك قوله ﷺ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دعْوةٌ مُسْتَجابةٌ، فتَعَجَّلَ كلُّ نبيٍّ دعوتَهُ، وإنِّي اخْتَبَأْتُ دعْوَتي شفاعةً لِأُمَّتي يومَ القيامة، فهيَ نائِلةٌ إن شاء اﷲ مَنْ مات مِنْ أُمَّتِي لا يُشرِكُ باﷲ شيئًا»، ورسول اﷲ ﷺ يوم القيامة يحرص على نجاة أمّته، يقول: «ربِّ، أُمَّتي أُمَّتِي»، ولا شكّ أنّه ﷺ يشفع في أمّة الاستجابة لا أمّة الدعوة، وهذا أمرٌ ظاهرٌ جَلِيّ، بخلاف الحديث الذي استشهد به؛ فإنه ﷺ لم يُضِفِ الأمّةَ إلى ذاته الشريفة، وهناك قرينة أخرى في الحديث، وهي: «يهودِيٌّ ولا نصرانيّ»، مما يدل على أن المقصود من الحديث أمّة الدعوة لا الإجابة.
انتهى من كتاب (أضواء على حديث الافتراق).


