هل يجوز أن نؤدي واجب النصرة للمسلمين في بلدٍ ما إذا كان يغلب عليهم الفسق والمنكرات؟ أليس من الواجب علينا ألَّا نُغِيث فاسقًا أو مبتدعًا؟
الجواب:
أولًا: الأصل الذي تدل عليه الأدلة الشرعيّة والمقاصد المرعية أنّ المسلم المظلوم في أمر دينه أو دنياه، والمعتدى عليه في نفسه أو أهله أو ماله، أو المصاب بنازلة أو فاجعة تهدّد حياته واستقراره، هو من أهل النصرة الشرعيّة، والمناصرة الواجبة، وأنّ هذه النصرة والإغاثة لا تَسقط بفِسقِ هذا المظلوم أو صاحب المسغبة، ولا بارتكابه بدعة في دينه، أو انحرافه عن منهاج ربّه.
والأدلة على هذا الأصل كثيرة جدًّا؛ منها: عموم الأدلة الآمرة بنصرة المسلمين، التي لم تفرّق في هذا الأمر بين المسلم المظلوم الملتزم بدينه، أو المسلم المظلوم المخالف لدينه بفسقه وبدعته، ومن هذه الأدلة: قوله ﷺ: «المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه ولا يُسلِمُه…» [أخرجه البخاري ومسلم]، وقوله ﷺ: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» [أخرجه البخاري].
يقول أحمد الصويان في كتاب (جراحات المسلمين): «أمر رسول الله ﷺ بإغاثة الملهوف وإغاثة المنكوب في أحاديث كثيرة متواترة كما تقدم؛ فهل يصح شرعًا أو عقلًا بعدها أن يُفرَّط في تسليم المسلم العاصي أو المبتدع للعدو الكافر، أو يُتْرَك للموت جوعًا أو مرضًا بحجة عصيانه أو ابتداعه؟! ألا نرى أنّ الله تعالى أمر بإعطاء (المؤلفة قلوبهم) من الزكاة وهم كفار، أفلا يكون إعطاء المسلم المبتدع أو العاصي من الزكاة من أعظم التأليف لقلبه، وأحسنِ الطرق لدعوته، وأنجح السبل لتصحيح عقيدته، وأبلغها في تقويم خُلُقه؟»
ثانيًا: الأصل عند أهل السنة والجماعة أنّ المسلم لا يَكفر بذنبٍ ما لم يستحله، فكيف يُعقَل بعد ذلك أن يُنَزَّل المسلم العاصي منزلة الكافر المحارب ويُحْرَم مِن حقه في النصرة والإغاثة والإعانة!
يقول ابن كثير رحمه الله: «فسمَّاهم مؤمنين مع الاقتتال، وبهذا استدل البخاري وغيره على أنه لا يخرج من الإيمان بالمعصية وإن عظمت، لا كما يقوله الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة ونحوهم».
ثالثًا: استند بعض الذين يُشَوِّشون على هذا الأصل، ويَدْعون إلى ترك النصرة للمسلم الفاسق أو المبتدع بقاعدة هجر العاصي والمبتدع، وزعموا أنّ الولاء والمحبة -وهما مستند النصرة- يسقطان في حق العاصي والمبتدع.
والجواب عن ذلك:
أنّ المقاصد الشرعيّة من وراء قاعدة هجر العاصي والمبتدع تدور حول زجرهما وردعهما عن المعصية والبدعة، بقصد رجوعهما إلى الجادة والتزام الطريق المستقيم، فبالهجر ينزجر المبتدع، ويُقلِع العاصي عن المعصية، وعليه فإنّ ترك النصرة والإغاثة والإعانة للعاصي أو المبتدع سيؤدّي إلى أمرين اثنين:
الأمر الأول: الوقوع في معصية أخرى، وهي: خذلان المظلوم، وتركه لويلات معصية الظالم فيه، وكذلك ترك الملهوف، ما قد يتسبب في موته أو هلاكه.
الأمر الثاني: عدم تحقق مقاصد الهجر، بل الوقوع في ضدها، فترك المسلم العاصي أو المبتدع لمحنته بحجة هجره يؤدي إلى سُخْطِه وافتتانه عن دينه، وبُغْضه لإخوانه المسلمين الذين تركوه لمن ظلمه، أو تركوه لجوعه ومرضه ومصابه.
رابعًا: إنّ واجب النصرة لا يجب فقط في حق المسلم الطائع أو العاصي، بل عند فقهاء الأمّة يجب في حق مَن عاش في كنف المسلمين ودولتهم من مواطني الدولة المسلمة، أو ما يعبر عنهم بمصطلح «أهل الذمة»، فإذا أوجب العلماء النصرة في حق هؤلاء فوجوبها في حق المسلم العاصي أو المبتدع من باب أولى.
جاء في كتاب الفروق للقرافي فيما يتعلق بحقوق أهل الذمة: «وأما ما أُمر به مِن بِرِّهم مِن غير مَوَدَّة باطنيّة فالرِّفْق بضعيفهم، وسَدِّ خَلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وكساء عاريهم… وصون أموالهم، وعيالهم، وأعراضهم، وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يُعانوا على دفع الظلم عنهم، وإيصالهم لجميع حقوقهم».


